السيد كمال الحيدري

29

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

والوجدان في الإيمان بقانون السببيّة ، يعزّز ذلك حصيلة التجربة الحسّية التي تثبت حاكمية هذا القانون في نظام الوجود . هكذا انطلق المعتزلة من النقطة ذاتها التي انطلق منها الأشاعرة ، لكن غاية ما هناك أنّهم انحازوا إلى الشقّ الثاني من الإشكالية ، فانتهوا إلى قراءة مغايرة للقراءة الأشعرية . لقد تصوّر المعتزلة أنّ إثبات الفاعلية لله سبحانه معناه نفى فاعلية الأسباب الطبيعيّة ، ولمّا كانت فاعلية الأسباب الطبيعية هي أمر وجدانىّ تجريبىّ ثابت فقد لجؤوا إلى نفى فاعلية الله . فمنطلق الفريقين إذن يكمن في نقطة واحدة تتمثّل بالعجز عن الجمع بين الفاعليّتين ، فأفضى بالأشاعرة أن يختاروا إثبات الفاعلية الإلهية في مقابل نفى فاعلية الأسباب الطبيعية ، بينما اختار المعتزلة الإيمان بفاعلية الأسباب الطبيعيّة وإنكار الفاعلية الإلهية ، وذلك من خلال الإيمان بأنّ الأسباب الطبيعيّة تحتاج إلى الله في حدوثها فقط ، أمّا في بقائها وإيجادها للأشياء فهي مستغنية عنه سبحانه . وهذه هي نظرية أنّ المسبَّب محتاج إلى العلّة حدوثاً ، أمّا بقاءً واستمراراً فغنىّ عنه سبحانه . إذن فالله خالق كلّ شئ حدوثاً ، أمّا بقاءً فإنّ الأسباب الطبيعية هي التي تمارس مهمّة الإيجاد والتأثير . إذا كان الأشاعرة والمعتزلة يتّحدان في المنطلق متمثِّلًا بالعجز عن صياغة مركّب نظري يجمع بين الفاعليتين الإلهية والطبيعيّة ، فإنّهما يشتركان أيضاً في الإشكالية المنهجية التي أوقعتهما بهذا الالتباس . فالأشاعرة إنّما لجؤوا إلى إنكار السببيّة هرباً من أن يكون للفعل الواحد فاعلان ، أي توارد علّتين على معلول واحد ، والمعتزلة لجؤوا إلى إنكار الفاعلية الإلهية بقاءً واستمراراً لئلا يلزم من ذلك اجتماع علّتين مستقلّتين على معلول واحد . وهذا معنى ما نذكره من أنّ الأشاعرة والمعتزلة يصدران من إشكالية نظرية ومنهجية واحدة ، بيدَ أنّهما يختلفان في الاختيار .